التوتاليتارية عندما تصبح مقدسة؟

أحدث المنشورات

16
أكتوبر
14
أكتوبر
11
أكتوبر
20
سبتمبر
26
أغسطس

جديد الإصدارات

التصنيفات

كلمات مفتاحية

في رسالته المكثفة عن التوتاليتارية والإسلامية (ما يشمل الإسلام السياسي، الجهادي والوسطي، الشيعي والسني، والذي تتقاسمه كل المدارس السلفية، من ما قبل الصحوات والصحوات وما بعدها)،  يستخلص هيثم مناع التعريف الجامع المشترك :

“الشمولية في “الشريعة الإسلامية” هي استيعاب الأحكام الإلهية لجميع مناحي الحياة، وتنظيمها لشؤون الخلق الدنيوية والأخروية دون استثناء. تعني هذه الخاصية أن الإسلام ليس مجرد طقوس تعبدية منزوية، بل هو منهج متكامل يجمع بين العقيدة، والتشريع، والأخلاق، والمعاملات.”أي أنأبعاد الشمولية في التشريع الإسلامي تنال الوجود ومكانة الإنسان في هذا الوجود وطريقة عيشه وأزلية التصور الديني الخاص بهذا الوجود فهي:

“شمولية الزمان: تمتد أحكام الشريعة لتغطي حياة البشرية منذ بعثة النبي محمد وحتى قيام الساعة، دون حاجة لتشريع ديني جديد.

شمولية المكان: تصلح هذه الأحكام للتطبيق في جميع الأقطار والبيئات الجغرافية، متجاوزةً الحدود القومية والإقليمية.

شمولية الإنسان: تخاطب الشريعة الكيان البشري بكافة أطواره (من الطفولة إلى الشيخوخة)، وتلبي احتياجات روحه، وعقله، وجسده بالتوازن.

شمولية مجالات الحياة: تنظم الشريعة النظام التعبدي والسلوكي، تعريف المسلم لمن يحيط به وطريقة التعامل معه، رهن المفهوم الأخلاقي والقانوني للعلاقات بين البشرية بالمعتقد، إقامة نظام جنائي وقضائي يشرع الحدود والقصاص لحماية الضروريات الخمس (الدين، النفس، العقل، العرض، والمال)، وتنظيم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين”.

يستحضر سفر الحوالي وغيره مفهوم الشمولية السيادية عبر تأصيل فكرة العبودية منذ ابن تيمية في رسالته العبودية يقول: “لشَيْخ الإِسْلامِابن تيميةرسالة قيمة عنوانها العبودية ذكر فيها هذا الأمر، وذكر ما هو أشمل منه؛ فكل مخلوق لابد وأن يكون عبداً، فإما أن يعبد الله، وإما أن يعبد غير الله، إما أن يوالي في الله فيحب إخوانه المؤمنين ويكره أعداءه الكافرين، وإما أن يوالي في غير الله، فيحب أعداء الدين ويكره المؤمنين، ولا يمكن أن يخرج الإنسان عن ذلك؛ لأنه كادح، وهذا الكدح لا بد أن يكون لغرض، ولا بد أن يكون وراء الكدح هدفاً معيناً، وهذا الهدف به تتحدد نوعية العبودية، فإذا كانت العبودية بهذا الشكل؛ فإننا نعرف لماذا كانت العبادة في الإسلام عامة وشاملة؟ في كل النشاط (الكدح) البشري ككل.

فالعبادة تحتويه وتحتضنه؛ فإما أن يكون في طاعة الله (من الواجبات أو من النوافل أو من المستحبات) وإما أن يكون في ضد ذلك من المنهيات أو من المكروهات، وإما أن يكون في درجة المباح، والمباح إن كان وسيلة للطاعة… التحق بالطاعة، وإن كان وسيلة للمعصية… التحق بالمعصية.“.

ها هي “التوتاليتارية المقدسة”  تخرج الناس من عبودية البشر للبشر كما يقول محمد قطب، لتدخلهم في عبودية المسلمين للمشايخ وولاية الفقهاء.. فهم وكلاء الله في خلقه وهم من يحدد لهم كيف ينام المرء ويستيقظ، كيف وماذا يأكل ويشرب، ماذا يقرأ وماذا يكتب، ماذا يسمع وماذا يرى ويشاهد،  ما يحق للمرأة عمله وما هو محرم عليها فعله، من يحق له أن يصبح قاضيا أو حاكما أو رئيسا ومن لا يجوز له ذلك….

“بالنسبة للسلفيين ومن يشاطرهم الرأي، العبودية، وعبودية الإنسان وقصوره وجودية، أزلية وقدرية، من المهد إلى اللحد، ومن بدء الخليقة إلى يوم القيامة. وهي إن لم تكن لله، بالوكالة، فهي للطواغيت”.

“لا تضعنا فكرة “العبودية” في مواجهة مع استقلال الذات الإنسانية، أي الحق الكامل في الـتأمل والتفكير والعمل بحرية فقط[1]، بل في مواجهة حدية مع فكرةتكريم الإنسانفي القرآن الكريم، باعتبار هذا التكريم معطى إلهيا وليس رأيا لهذا الفقيه أو ذاك السفيه”(ص 8 )

من الذي أعطى هذا “الشيخ” أو “المفتي” أو ذاك “الأمير” سلطة تسيير البشر والتحكم والسيطرة في حياتهم وخياراتهم ومعتقداتهم وشؤون دنياهم والتدخل في كل شاردة وواردة !!، من الذي أعطاه الحق في تكفير من شاء وتحريم ما شاء وبيع ما يشاء ونهب من يشاء وتفجير ما يشاء ؟ كيف أصبحت سلطة “الشيخ” مطلقة وكاملة ووزارة الأوقاف وزارة سيادية تقرر مناسك الحياة اليومية للناس؟ بأي فتوى يتحول الناس رجالا ونساء إلى “رعايا” لا تستحق إلا حسن الطاعة والخضوع؟  هل هذا هو القرآن وهل كان المسلمون خرافا عند الشيخ أو الخليفة في تاريخ هذا الدين؟

يستمر الهوس الجماعي عند شيوخ الظلامية الجديدة وتنحصر الابتكارات في تعزيز مفهوم الشمولية-العبودية ليصل الأمر بالشيخ محمد كامل السيد رباح إلى تعداد “واجبات الإنسان نحو الشمولية”وكأن الشمولية رب أو دين:

“واجبنا نحو الشمولية:

  • أن نؤمن بها…
  • أن نطبقها في حياتنا تطبيقا كاملا…
  • أن نربي أولادنا عليها…
  • 4- الدعوة إليها… “. (ص18)

يورد مناع ردود من يشاطره الموقف بالقول: “من أجمل ما كتب في الرد على هذه المقاربة المتحجرة، كان للفقيد الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتابه “نقد الخطاب الديني”، يقول: “إن اختزال دور الإسلام ومقصده الكلي في تحرير الإنسان من العبودية لغيره من البشر لكي يرده إلى عبودية من نمط آخر هو التزييف بعينه. لأنه مقصد شكلي ما دام يسلمه إلى عبودية كهنة النصوص، هذا فضلا عن أنه تزييف يجمد النصوص كما يجمد الواقع، بإلغاء حقائق التاريخ واللغة ومحاربة العقل الذي حرره الوحي. وليس غريبا بعد ذلك كله أن يتعلم أبناؤنا في المدارس أن الإسلام يبيح امتلاك الجواري ومعاشرتهن معاشرة جنسية، وأن هذه الطرائق في العلاقة بالنساء إلى جانب طريقة الزواج الشرعي، ما دام ذلك قد وردت به النصوص، وليس غريبا أيضا في ظل عبودية النصوص أن يتعلموا أن المواطن المسيحي مواطن من الدرجة الثانية يجب أن يحسن المسلم معاملته، وهكذا يتوجه الخطاب الديني التعليمي التربوي إلى أبنائنا منبها أن عليهم في معاملة زملائهم وأساتذتهم من الأقباط “الرفق بهم وعدم تكليفهم فوق ما يطيقون” (كتاب التربية الدينية الصف الثاني الثانوي والثالث الثانوي)، وليس بعيدا أن يطلع علينا مجتهد من مجتهدي هذا الزمان ومجدديه بفتوى تحرم ما أحلته النصوص من طعام أهل الكتاب...(نقد الخطاب الديني).

يتوقف المؤلف عند تجربة “السلفية الجهادية”، ملاحظا سهولة الفتوى والموقف والفعل دون السؤال عن مدى انسجامه مع التجربة الإسلامية النبوية والراشدية مثلا وهم من يدعي الحكم على الطريقة الراشدية!!. ليقول: “كم احتاج علماء مسلمين ليثبتوا أن قول التكفيريين بأن “آية السيف” تنسخ أكثر من 140 آية قرآنية لا أساس له في الفقه والشرع. كم هو عدد العلماء المسلمين الذين اعتبروا غزوة منهاتن (11 سبتمبر 2001) جريمة جسيمة بكل المعايير الدينية والدنيوية!! وكيف ألغيت من قاموس التداول، آيات قرآنية تجعل من البناء الأمني والمخابراتي للدولة أساس التمكين للتصور السلفي الجهادي، مثل الآية الكريمة “ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه.(الحجرات12)، والتي يختصر مكانتها في الحياة عمر الخيام في رباعياته: “لا تؤذ خلق الله أو تغتبهم، وأنا الضمين غدا… ” .. أي رفض الرقابة المعممة وترك الناس وشأنهم وعدم أذيتهم ورفض التعصب والرياء المؤديان حكما، إلى ثلاثية التكفير والتحريم والتفجير”.

من هنا، نلاحظ في الواقع الفعلي والتجربة الجهادية المعاصرة، دورا خاصا للمسؤول الأمني والمسؤول الشرعي. فلا بد من إرهابٍ مؤسسي لضبط الناس وتحييد المخالفين والمعارضين والأقليات الواقعة خارج الخيمة الإيديولوجية أولا، ولابد من إشراف صارم للشرعيين (الشيوخ) على قضايا الثقافة والمعرفة والحياة اليومية للناس. استفاد تنظيم داعش من خيرة ضباط الأمن في النظام العراقي السابق (الذين أسلموا وحسن إسلامهم على حد تعبير البغدادي) كذلك أحاط تنظيم القاعدة “جبهة النصرة” وتحالفاتها باستمرار، بمجموعة من الشرعيين غير السوريين الذين كان لهم دورا كبيرا في نقل “التدين العام” السوري من تنوعاته الغنية والقاحلة، والتي لم تكن في أغلبيتها الساحقة “سنية” أو جهادية سلفية، إلى أبو عبد الله المهاجر وأترابه، الذين زرعوا صناعة التوحش الباثولوجية و”أخلاق” الفتك والغيلة في معسكرات جبهة النصرة في شمالي غرب سوريا. هكذا نلحظ، في الواقع المعاش للتجربة الجهادية المعاصرة، إسناد دورٍ محوريٍّ لكلٍّ من “المسؤول الأمني” و”المسؤول الشرعي”. وينطوي ذلك، من ناحية، على إرساء نظامٍ من الترهيب المؤسسي بهدف إخضاع السكان وتحييد الخصوم والمعارضين والأقليات التي تقع خارج نطاق الأيديولوجيا المعتمدة (تجدر الإشارة هنا، إلى أنه عند نشأة “هيئة تحرير الشام” في يناير/كانون الثاني 2017، شغل أبو محمد الجولاني -أحمد الشرع- منصب “القائد العسكري العام” للتنظيم، بينما عُيّن هاشم الشيخ “قائداً عاماً”. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، استقال أبو جابر الشيخ من منصبه كقائدٍ عام، تاركا للجولاني تولي القيادة الكاملة والمطلقة لهيئة تحرير الشام بشكلٍ رسمي).

لم تكن الأموال الخارجية فقط لشراء صواريخ غراد، وإنما أيضا، لنقل تجربة المطاوعة (على سبيل المثال لا الحصر: “سواعد الخير” أو “مركز الفلاح” في التسمية الإدلبية) للرصد والسيطرة على نمط حياة الناس وأفعالهم في إمارة الأمر الواقع في الشمال السوري قبل تعميم ذلك على عموم البلاد.

نلاحظ بوضوح في كل المدارس والجامعات، التي تقع تحت سيطرة داعش والنصرة، أن أساليب التدريس والتعليم قائمة على التلقين والخضوع والحفظ دون تبصر، بدلا من الانخراط في التأمل وقراءة الوضع البشري والبحث العلمي والعلوم التطبيقية البناءة. هذا النهج التعليمي شكل بالضرورة، “عقولًا” متحنطة تفتقر إلى مهارات التفكير النقدي والتجديد، وبالتالي غير قادرة على التفاعل مع المشكلات الناجمة عن تحطيم الحجر والشجر والبشر في حروب مذهبية مسطحة أو مواجهة معضلة إعادة البناء بعد 15 عاما من النزاعات المسلحة. لا يمكن بالصناعة الإيديولوجية للكائن العبد، صناعة من يبني مجتمعا حرا وطاقات مبدعة.

يذكر مناع أخيرا بأن التحرر الأوربي من ظلمات القرون الوسطى قام بالأساس على تعريف التنويرAufklärung، كما يقول عمانوئيل كانت، بالقول: نهاية “عصر الإنسان القاصر”:

“التنوير هو خروج الإنسان من حالة عدم النضج التي فرضها على نفسه. عدم النضج هو العجز عن استخدام الفهم دون توجيه من الآخرين. يكون عدم النضج هذا مفروضًا على الذات عندما لا يكمن سببه في نقص الفهم، بل في نقص العزيمة والشجاعة لاستخدامه دون توجيه من الآخرين.

 “اعرف الشجاعة! تحلّ بالشجاعة لاستخلاص فهمك الخاص!” – هذا هو شعار التنوير.

—-

الدكتور محمد سعيد

[1] ذكرت عبارة “أفلا تعقلون” في القرآن الكريم 13 مرة بصيغة الخطاب، بالإضافة إلى موضع واحد جاء بصيغة الغائب “أفلا يعقلون” في سورة يس، ليصبح المجموع 14 موضعاً.

كلمات مفتاحية

Scroll to Top