الإمعان في حقوق الإنسان

الإمعان في حقوق الإنسان

قبل قرابة العشرين عاما، وبعد إعداد مواد أساسية تشكل قاعدة لتحرير أول موسوعة مختصرة لحقوق الإنسان، على الصعيد العالمي، وباللغة العربية، لم يتم استقبال الفكرة متساو بين جمع الأصدقاء والنشطاء الذين جرت مناقشة الموضوع معهم. ثمة من قال بصراحة: هيثم هذا مشروع أكبر من إمكاناتك، خاصة واللوبي الصهيوني في حركة حقوق الإنسان يخوض ضدك معركة شرسة تحتاج لوقت وجهد للرد عليها. وآخر قال: عليك العمل بسرية وحذر لأن هناك من سيسرق الفكرة ويشوهها… فاتح عزام، مدير منظمة “الحق” الفلسطينية قال: “هذا المشروع مهم جدا، ولكنه مكلف، وهيثم في مسألة الحسابات أضعف من ضعيف، لكنه طاقة لا تكل، سأعمل ما بوسعي لتأمين الغطاء المالي الذي يحتاجه”. المفكر الفلسطيني محمد حافظ يعقوب قال: “يجب أن يكون هذا المشروع متميزا، ومن جانبي سأقدم ما أستطيع”، الحقوقي الذي يقدم نفسه على الإعلام بوصف هيثم تؤامه السوري وهو التؤام التونسي له قال: “مشروع خارق للمعتاد وقابل للتحقق”. الدكتورة فيوليت داغر رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان لخصّت الأمر بالقول: “كل ما استطيع القيام به مكانك سأفعله في البيت والعمل وفي اللجنة العربية، إذا لم تكن الموسوعة عالمية حقا، ستخرج مؤسسات غربية بموسوعة غربية المقاربة… نحن عرب نعيش في أوربة، قمنا بمهمات في كل القارات واكتشفنا التعدد الثقافي، ولدينا قراءة أممية، لذا ستكون أول موسوعة عالمية المقاربة”. الفقيد حسين العودات كتب: “ماذا تنتظر، سنطبعها لك وسأضع عليها الأهالي- دمشق، ولو منعت في سوريا”.

قام هيثم مناع بالإتصال بأربعين باحثا حقوقيا من كل القارات كذلك ثلاثة مترجمين لنقل المواد من الإنجليزية والفرنسية والإسبانية. وقد أبدى الجميع حماسة للعمل في هذا المشروع، وبعضهم طلب المشاركة في الجزء الثاني بسبب انشغالاته المهنية.

خلال عامين تم تحويل المسودات الأولى إلى مشروع متكامل وصدرت الموسوعة في الأيام الأخيرة من القرن العشرين. وجاء في مقدمة الطبعة الأولى:

“إن دخول ثقافة حقوق الإنسان بيوت الناس وليس فحسب مكتبة النخبة وأرشيف المحامين يعتبر شرطا أساسيا للخروج من حالة الاستعصاء الفكرية والسياسية التي تهيمن على حقبتنا. هذا الاستعصاء المتسم باغتيال السياسي وانهيار الإيديولوجيات والتغييب المريع للحلم فيما يسمح بتسرب أشكال غير حصرية للتعصب والانغلاق الشوفيني والطائفي مع بروز متسارع للوجه القبيح للعولمة: صيرورة رأس المال السلطة المطلقة التي تسخر الدول والمجتمعات، تجديد أشكال استعمار البشر للبشر، النبذ المتسارع للأضعف، الانشطار غير المتكافئ للعالم، تلوث البيئة، انتشار أسلحة الدمار الشامل والمخدرات والسلع الغذائية السامة…”

“إن تأصل الغنى الفاحش والفقر الكافر، حروب الفقراء بسلاح الأغنياء وانتصار المرض على جميع مشاريع التنمية في الجنوب كلها تشكل همّا بنيويا للعاملين من أجل حقوق الإنسان. إلا أن حقوق الإنسان تتطلب توفير الحد الأدنى من الوعي للدفاع عنها. ونظرا لمحدودية دور حق التضامن بين الجماعات البشرية وبين المدافعين عن الكرامة الإنسانية، فإن توسيع جبهة حقوق الإنسان على الصعيد العالمي يشكل الوسيلة الأهم لتكوين سلطة مضادة قادرة على الفعل في موازين القوى العالمية الجديدة. ولا يمكن لجبهة كهذه أن تتحول إلى قوة فعلية دون تبنيها من أوسع الشرائح المجتمعية ذات المصلحة في فكر وثقافة حقوق إنسانيين. إن معرفتنا بالعلاقة الجدلية الحية بين الفكر والفعل هي التي تجعلنا نحذر من التفاؤل المفرط بالجهود النظرية التي نقوم بها، ولكنها بنفس الوقت، هي التي تذكرنا بضرورة التسلح الذهني الدائم في طموح أنسنة الغد”.

بعد ثلاثة أعوام، صدر الجزء الثاني بعنوان “تأملات فكرية” (583 صفحة)، وفي الشهر الأخير من عام 2010، سلّم الجزء الثالث للناشر ليصدر في مطلع 2011 وكان بعنوان: البناء وإعادة البناء (575 صفحة).

في عام 2015، وفي ندوة حول مصائر حقوق الإنسان، سأل أحد المتدربين هيثم مناع: “ألا تعتقد أن ثقافة حقوق الإنسان كانت شحيحة وفقيرة ومهمشة مع صعود العنف والتطرف، وأن من الضروري إعادة طباعة موسوعة “الإمعان في حقوق الإنسان”، فأجابه: “طبعة منقحة ومزيدة بالمستجدات، طبعا ضروري، آمل انجاز ذلك قبل 2020).

بعد عامين ونيف على هذه القصة، صدر قبل أيام عن بيسان للنشر في بيروت الطبعة الجديدة من “الإمعان في حقوق الإنسان”، مزيدة بإضافة قرابة 300 صفحة للجزء الأول (780 صفحة)، بحلية فنية متميزة: 240 مادة دسمة وأساسية، نصوص أساسية من “الصحيفة” إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وقاموس ثلاثي إنجليزي فرنسي عربي للمصطلحات الحقوقية الأساسية. هذا السفر الصادر بالتعاون مع المعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان/مؤسسة هيثم مناع أصبح بمتناول القارئ باللغة العربية في حقبة زمنية رديئة، تنتهك فيها الحقوق والكرامة والحريات، في محاولة متواضعة للرد على تدنيس الوعي وتجهيل العامة واستلاب الخاصة.

ولعل مقدمة الطبعة الجديدة تعطي فكرة عن الضرورة الملحة لهذا الإصدار:

صدرت موسوعة  “الإمعان في حقوق الإنسان”- الجزء الأول ونحن نودع القرن العشرين، وسلمنا الجزء الثالث للمطبعة في كانون الثاني/ديسمبر 2010. وفيه أول استقراءات حقبة جديدة مضطربة من الصعاب وضعت شعوبنا أمام مفترقات طرق جراحية لم يعد العنف فيها طرفا من أطراف تقرير مصير البشر فقط، بل الطرف الأساس والمهيمن على حياة الأشخاص والجماعات. وكلما زادت وتيرة العنف، خُنقت الحقوق الإنسانية، ودهست الحقوق البيئية، وتمزقت شبكات التماسك المجتمعي، وأصبح التطرف والعمى الإيديولوجي والمذهبي، أو القوى الظلامية، السبيل الأفضل للصيد في ماء الفوضى العكر، أمراء وسادة، دون إمارات ودون أية سيادة.

كانت أنظمة القهر تقول لنا بأن مجتمعاتنا غير مهيئة موضوعيا للديمقراطية وحقوق الإنسان، فصرنا نجد على الجدران الإفتراضية وجدران دور الحسبة بكل صفاقة ووضاعة: الديمقراطية شرك وكفر وحقوق الإنسان مؤامرة غربية ضد الإسلام.

الأطراف عينها، التي رعت ومولت وأرسلت مقاتلين إلى مناطق الصراع، أو تواطأت مع كل ذلك، هي التي تقود ما يسمى اليوم “الحرب على الإرهاب”؟؟

ولكن هل يمكن “الحرب على الإرهاب” في غياب الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية؟

هل يمكن في غياب الحرب الفكرية والثقافية الشفافة على مدارس العنف، الحديث في حرب على التطرف؟

هل يمكن في غياب حرب فعلية على الجهل والتخلف والتبعية والجوع والبطالة والمرض خوض حرب على إرهاب تم تنصيبه في موقع العدو، لوضع أهم احتياجات البشر الفعلية في ثلاجة غياب “الظروف الموضوعية” لتحقيق الحد الأدنى من شروط الكرامة الإنسانية.

هل الضريبة التي تدفعها شعوبنا من العنف المتعدد الأشكال لم تشبع بعد جشع منظومة تعيش قرنها الأخير؟

في هذه الظروف المأساوية التي تمر بها شعوبنا، من الضروري عدم الإكتفاء بالبكاء والعويل على مصائرنا، والنحيب على حصار ثقافي وإعلامي تعيشه أصوات التنوير والتغيير المدنية، وأن نواصل بقوة وحزم، وضع أسس الفكر النقدي الحقوقي القادر على مواجهة “التوحش” والظلم والظلاميات، ما ظهر منها وما بطن.

أقدم هذه الطبعة المزيدة والمستكملة، إلى شبيبة وقفت في وجه تشويه الذات وتدنيس الوعي واغتيال المستقبل، علها تشكل سلاحا معرفيا ضروريا لها، في معركتها من أجل الكرامة والعدالة والحرية.

الموسوعة اليوم متوفرة في الأسواق

المنظمات والمعاهد المختصة الراغبة بالحصول على نسخة من “الإمعان في حقوق الإنسان”، يمكن مراسلة المعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان:

[email protected]

الإمعان في حقوق الإنسان

المؤلف: هيثم مناع

الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة  أيار  2018

جميع الحقوق محفوظة بيسان للنشر والتوزيع/ بيروت

ISBN: 978-3899-11-240-5